الارشيف / غير مصنف / RT Arabic (روسيا اليوم)

ترامب: الى الوراء درّ!

أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن رغبته في دعوة روسيا والهند وأستراليا وكوريا الجنوبية إلى قمة G7 المزمع عقدها في الولايات المتحدة سبتمبر المقبل.

جاء ذلك خلال إعلان الرئيس الأمريكي عن تأجيل قمة G7 من نهاية يونيو الجاري إلى سبتمبر، السبت الماضي، ثم أبلغ ترامب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في اتصال هاتفي، بفكرة عقد قمة G7 وبدعوة محتملة لروسيا والهند وأستراليا وكوريا الجنوبية، الدول غير الأعضاء بمجموعة G7.

من جانبه علّق متحدث باسم الاتحاد الأوروبي، يوم الاثنين، على الرغبة الأمريكية، بأن مشاركة روسيا في مجموعة الكبار G8 معلّق حتى "تغيّر روسيا نهجها، وتسمح الظروف لـ G8 بخوض مناقشات ذات مغزى الامر غير المتوفر في الوقت الراهن".

دعونا نجري مقارنة مختصرة بين النهج الذي تتبعه روسيا، والنهج الأوروبي السياسي خلال العقود الثلاث الأخيرة.
منذ أن تفككت منظومة البلدان الاشتراكية والاتحاد السوفيتي وحلف وارسو العسكري وسقط جدار برلين، وموسكو تسعى جاهدة لخلق جو دولي جديد يسوده التفاهم، والتنسيق، ينهي الصراع الأيديولوجي بين الشرق الشيوعي، والغرب الإمبريالي، والذي أسفر عن سباق تسلح نووي مرعب، وضع البشرية دائما على حافة حرب عالمية ثالثة تذهب بالأخضـر واليابس. وبالفعل كان من ثمار تلك المرحلة انفراجا جديدا في العلاقات الدولية، وتنشيط لدور الأمم المتحدة، وتوقيع اتفاقيات مهمة للحد والتخلص من الأسلحة النووية، والعمل المشترك كي يسود الأمن والاستقرار في أرجاء العالم.
لكن الغرب لم يتمكن من استيعاب أن جميع هذه الإنجازات لم تتحقق استنادا إلى ضعف في المواقف الروسية، بقدر ما صدرت عن حكمة الدولة العظمى القوية، التي تدرك معنى الحق قبل القوة، والعدل قبل السيطرة.

كان الغرب، يتصرف بوصفه "المنتصر" الذي خرج من أجواء الحرب الباردة بجملة من التغييرات الجديدة في النظام العالمي، محاولا قدر استطاعته وإمكانياته استغلال المناخ الدولي الجديد لمصلحته، والتأثير على المؤسسات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، لخدمة أهدافه ومصالحه، لدرجة أن تفسير القرارات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها قد أصبح خاضعا لتفسيرات غربية، أغلبها مغرض، ولا يراعي مصالح الأطراف. مثال ذلك ما حدث في كوسوفو، والبوسنة، وليبيا، وجورجيا، وأوكرانيا، وأفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن.

لقد أصرّت روسيا، طوال الفترة الماضية، على ضرورة تفعيل دور الأمم المتحدة من خلال التنفيذ الصارم والدقيق لقراراتها لحل القضايا والنزاعات الدولية، والذي يضمن بالدرجة الأولى مصالح شعوب هذه البلدان، في الوقت الذي شهدنا فيه النتائج الوخيمة للسياسات الأوروبية الأمريكية، المنفردة والمهيمنة، على وضع الشعوب وملايين الضحايا في الكثير من نقاط الصراع حول العالم.

ينتظر الاتحاد الأوروبي "نهجا" مختلفا من جانب روسيا، حتى "تسمح الظروف لـ G8 بخوض مناقشات ذات مغزى"!
اذا فلنسمّي الأشياء بمسمياتها الحقيقية: ينتظر الاتحاد الأوروبي من روسيا أن تتنازل عن شبه جزيرة القرم، وتستسلم لإملاءات الغرب، وتسحب أسطولها من البحر الأسود، حتى تستبدلها بأساطيل الناتو.. أليس كذلك؟
يريد الاتحاد الأوروبي أن يسيطر على أحد أهم شرايين دعم الاقتصاد الروسي، من خلال أنابيب الغاز التي كانت تمر عبر أوكرانيا، عقب الانقلاب الذي دبّره في كييف، ويرغب في تعزيز قواعد الناتو العسكرية بقاعدة جديدة في أوكرانيا، على الحدود الروسية. وإذا كان الشيء بالشيئ يذكر، فلعله من المهم هنا أن نتذكر أن إحدى المهام الرئيسية للناتو في سوريا كانت حرمان الأسطول الروسي من قاعدة التموين البحرية في طرطوس، والذي كان سيؤدي إلى شلّ حركة الأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط عمليا. فميناء طرطوس يعد غاية في الاهمية استراتيجيا لحماية جنوب روسيا، تماما مثل تلك التي التي يتمتع بها الميناء الحربي في شبه جزيرة القرم.

إن الاتحاد الأوروبي يريد ألا تحرك روسيا ساكنا، بينما يتمدد هو نحو الشـرق، وفي إقليم المتوسط، والبحر الأسود، تماما كما حاول جاهدا منذ عقدين مد جسور التطرف والإرهاب إلى خاصرة روسيا الرخوة آنذاك في القوقاز، يريد الاتحاد الأوروبي من روسيا "نهجا" آخر أكثر "مرونة" و"قبولا" و"خضوعا" و"انسحاقا" أمام الإملاءات التي عجز ويعجز عن فرضها بالحصار والعقوبات.

هذا هو "النهج" الذي ترغب به مجموعة G7، لتعزيز حصار روسيا عسكريا واقتصاديا، والتفوق عليها في كل المجالات، حتى الفضاء، للتحكم بموقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية، وإعادة عقارب الزمن إلى الوراء لفرض هيمنة القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن السؤال الوجودي المطروح: هل يناطح التاريخ سوى المختلون عقليا؟ وهل يعقل في ظل ما يحدث حول العالم اليوم من صراعات ونزاعات مسلحة واضطرابات وصلت إلى مشارف البيت الأبيض نفسه، وجائحة تطل على البشـرية بوجه قبيح لم يسبق له مثيل، وأزمة اقتصادية طاحنة تعصف بالجميع، هل يعقل أن ينتظر الاتحاد الأوروبي ببراءة الأطفال "نهجا" كهذا من روسيا؟
إن الاضطرابات وأعمال الفوضى والشغب في كافة أرجاء الولايات المتحدة، لم تكن بسبب حادثة قتل المواطن الإفريقي الأصل، جورج فلويد فحسب، وإنما كانت تلك الحادثة مجرد شرارة لاشتعال احتجاجات على المنظومة الصحية المصممة للأغنياء في الولايات المتحدة، وإجراءات الحجر الصحي، أضيف لها ارتفاع نسب البطالة، وانهيار الاقتصاد، كل ذلك تسبب في غضب عارم لا زلنا نتابع فصوله بقلق بالغ.

لقد قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في خطابه عشية الذكرى 75 لإنشاء هيئة الأمم المتحدة، في آخر اجتماع عقد في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن من بين المخاطر التي يمكن أن تواجهها البشرية هي زيادة أعداد الفقراء حول العالم، واتساع الهوة بين الفقر المدقع والغنى الفاحش.

كما تحدث لافروف عن عدد من القضايا المهمة والحساسة في ذلك الخطاب.

هذا ما نراه أمام أعيننا الآن، فالشـرارة لتي فجّرت الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية، يمكن أن تصل عدواها في أي لحظة إلى بلدان أوروبا الغربية، وقد رأينا مثيلتها في مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا، كما أن الأجواء لذلك مهيأة في أوروبا، التي تمتلئ بملايين المهاجرين، ممن يعانون من البطالة والفقر والاضطهاد. إنها بضاعة الأوروبيين التي ردت إليهم، بعد عقود من التدخل في شؤون الدول حول العالم، ونتاج سياسات الاتحاد الأوروبي التي فجّرت الأوضاع في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.
إن المتابع للسياسة الخارجية الروسية، والتي تحدث عنها لافروف بالتفصيل في الخطاب المذكور، يدرك أنها سياسة تعتمد على الالتزام التام بكافة المواثيق والقوانين الدولية، والسعي المستمر نحو الأمن والاستقرار والسلام العالمي، وتوخي التنفيذ الدقيق لقرارات هيئة الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو النهج الذي تأمل روسيا أن يكون متبادلا، خاصة حينما يتعلق الأمر بأراض روسية تاريخا وشعبا، عادت إلى روسيا بموجب استفتاء شعبي استوفى كافة الشـروط القانونية والدستورية المتعارف عليها دوليا، عن شبه جزيرة القرم أتحدث.
لقد منح الزعيم السوفيتي، نيكيتا خروشوف، شبه الجزيرة لجمهورية أوكرانيا، لأسباب إدارية بحتة، وفي إطار الاتحاد السوفيتي الذي كان يجمع بين روسيا وأوكرانيا في إطار دولة عظمى واحدة. ولا حاجة هنا لعقد المقارنات وتذكير الأوروبيين بما حدث في استقلال كوسوفو، وموقف الاتحاد الأوروبي منه، لكن بعض القوم لا يفقهون.

أعود إلى المكالمة الهاتفية بين ترامب وبوتين، وعلى الرغم من النوايا الطيبة التي يمكن أن تحملها هذه الفكرة الجيدة من حيث المبدأ، إلا أن السياسة الأمريكية في اعتقادي إنما تسعى من خلال ذلك إلى حشد تحالفات دولية جديدة لمواجهة الصين، أو محاولة منها في تشتيت مجموعة "بريكس" بتلاعب أمريكي معهود. إننا نرى كيف يخرج علينا الرئيس الأمريكي، الذي يمسك بالإنجيل في يده اليمنى أمام كنيسة البيت الأبيض، ليذكرنا مرة أخرى بتعبير سلفه جورج بوش الابن"الحرب الصليبية" الذي استخدمه في "حربه على الإرهاب" عام 2001. في الوقت نفسه يلجأ ترامب إلى مخبأه المجهز تحت البيت الأبيض، والذي صمم لدواعي الحرب النووية المحتملة، خوفا من اقتحام المتظاهرين للبيت الأبيض، كل ذلك في ظل جائحة فيروس كورونا، بينما تعجز أعتى المراكز البحثية والفيروسية حول العالم عن سبر أسرار الفيروس الفتّاك، والتوصل إلى علاج أو لقاح للوقاية منه.

يخرج علينا الرئيس الأمريكي بعد كل هذا في محاولة يائسة، ربما أخيرة، للتمسك بأهداب العالم أحادي القطب، الذي ولّى وانتهى إلى غير رجعة، مفسحا الطريق لعالم متعدد الأقطاب بفضل روسيا والصين ومجموعة البريكس.

همسة أخيرة في أذن الرئيس الأمريكي: إن عقارب الساعة تمشي في اتجاه واحد فقط!


رامي الشاعر
كاتب ومحلل سياسي

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

تابعوا RT علىRT
RT

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا